قصائد قتلت أصحابها قصص إعدام الشعراء في التاريخ العربي !

976

في بحث جديد ومهم للكاتب باقر ياسين عن كتابه قصائد قتلت أصحابها، يسلط الضوء بصورة إحصائية تامة عن الدوافع والأسباب التي كانت وراء ظاهرة خطيرة لإعدام الشعراء وقتلهم، وهذا موضوع ذات أهمية بالغة ومترامي الأطراف؛ لأنه يلامس الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية والعسكرية والنفسية والسلوكية والتاريخية والدينية والاقتصادية للفرد والمجتمع العربي والعالمي أيضاً، ولكن نحن في صدد الحديث عن الشعر العربي خاصة، لأنّ التاريخ دوّن كل شاردة وواردة لحياة هؤلاء الشعراء؛ لما لهم من أهمية كبيرة وقيمة سامية في تلك الحقبة من الزمن، ولأن الشعر كان أساس حركة المجتمع العربي، والقصيدة تعدّ مؤسسة إعلامية، فالشاعر والقصيدة يمثلان أهم المؤسسات الإعلامية القائمة وأكثر الوسائل الدعائية تأثيرا وتغلغلا في الحياة، كما اعتبرت القصيدة بمثابة البيان السياسي للتكتلات السياسية والمذهبية والحزبية، وهي إدراك العرب لحقيقة لا تقبل الشك في خلود الشعر وبقائه حياً عبر العصور، وكان لتقديره وتقييم معناه وبلاغته وأثره وسحره اللغوي وزن كبير ومنزلة في نفوس العرب خشية تأثيره السلبي .
ومن هنا أتت أهمية هذا المبحث للكاتب باقر ياسين مستندا إلى منهج تطبيقي لاستبيان الأسباب القاهرة لمقتل الشعراء وتصفيتهم بسبب قصيدة أو كلمة قالوها، وقد عمد إلى ذكر عدد كبير في هذا الكتاب ونذكر منهم، المتنبي وأعشى همدان وابن الرومي وأبو الينبغي وأبو نخيلة والأقيشر وبشار بن برد ودوقلة المنبجي ودعبل الخزاعي وهدبة ابن خشرم وزيادة ابن زيد ووضاح اليمن وحماد عجرد ومنصور الحلاج وعلي بن جبلة وصالح بن عبد القدوس وطرفة بن العبد وبشر بن أبي حازم وعلي ابن الجهم وعامر بن جونب وغيرهم مما ذكرهم الباحث بحوادث مأساوية على أيدي الحكام والزعماء والقادة، وهذا ما يؤكده البحث عن فاعلية الشاعر وخطورته وتأثيره سلباً وإيجاباً.
وفيما يلي بعض من أبيات لقصيدة بشار بن برد التي هجا بها يعقوب ابن داوود وزير المهدي، والتي أودت بحياته بعد أن هدده بالقتل عدة مرات بسبب هجائه وغزله الصريح، فاعتبر المهدي ذلك حضّاً من الشاعر على الفسق والفجور وقذف المحصنات والمخبآت .
يعقوب الشاعر
لايأسن فقير من غنى أبدا
بعد الذي نال يعقوب ابن داوود
قد صار بعد إشراف على تلف
وبعد عل على الزندين مشدود
أخا المهدي خلق الله كلهم
يومى به فوق أعناق الصناديد
لئن حسدت على ما نلت من شرف
لقد عنيت زمانا غير محسود .
أما شاعرنا وضاح اليمن الذي تغزل في أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك وقد أحبها وأحبته قال :
حتام نكتم حبنا حتاما
وعلام نستبقي الدموع علاما
إن الذي بي قد تفاقم واعتلى
ونما وزاد وأورث الأسقاما .
أما عن القصيدة اليتيمة التي ذاع خبرها بين الشعراء ونسبت لعدد منهم فقد أودت بحياة شاعرين هم دوقلة المنبجي وآخرون.
وسميت باليتيمة نظرا لقوة سبكها وغزارة معانيها وسلاسة صياغتها ووضوح مقصدها وغايتها متضمنة أغراضا شعرية متعددة كالوصف الدقيق والغزل الرقيق والوقوف على الإطلال وأبياتا من الحكمة والموعظة والأمثال،كتبها الشاعر دوقلة المنبجي ليحظى بقلب الأميرة دعد ابنة الحسب والنسب، وهي شاعرة متذوقة للشعر والأدب، وقد أبت الزواج إلا من شاعر يكون أغزر منها شعرا ..إلا أن حماقة شاعرنا دوقلة الذي أنشد القصيدة أمام شاعر آخر كان يرافقه في طريقه إلى حبيبته لنفس السبب فشعر بأن قصيدة دوقلة أهم وأقوى من قصيدته، فقتله غدراً وسرق القصيدة لينشدها أمام دعد التي كشفت غدره وخيانته وشروعه بقتل حبيبها من خلال أبيات القصيدة فأمرت بقتله أيضا .
تقول القصيدة
فالوجه مثل الصبح مبيض
والشعر مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا
والضد يظهر حسنه الضد
والبطن مطوي كما طويت
بيض الرباط يصونها الملد
وبخصرها هيف يزينه
فإذا تنوء يكاد ينقد .
ولهذا وذاك حسب ما أوضح الباحث والكاتب باقر ياسين أن استخدام الشعر كان لكثير من معالم الحياة المهمة كالتزام بالبيعة أو نقض الولاء أو التوجيه واستعراض مآثر القبيلة ومنجزات المجتمع القبلي وتعدد المفاخر والبطولات والتعريض بمثالب القبائل الأخرى، وأن نقل التراث التربوي إلى الأجيال اللاحقة وتلقين الأبناء شعرا للحفاظ على جميع القيم المتوارثة عن القبيلة لتعزيز وتماسك أبنائها والتزامهم بتلك القيم والمبادئ هو ضرورة حتمية.
في الكتاب شواهد ووثائق تؤكد مضامين البحث وتشير إلى المناحي السلبية والايجابية التي عاشها العرب وقصص القتل والإعدام ..قصص من التاريخ العربي من الضروري الوقوف عندها، واستعراض ما جرى مع هؤلاء الشعراء الذين تركوا بصمة دامغة في تاريخ الأدب العربي المشرف من خلال مواقفهم التي تمسكوا بها ولم يتخلوا عنها رغم أنها أودت بحياتهم وخلدتهم .
كما بين الكاتب باقر ياسين أن تراجع دور الثقافة والشعر وعلم الكلام بعد ضعف القائمين على الأمور. أدى إلى تمزق وحدة البلاد على أكثر من صعيد أمام النزاعات والتمردات الإقليمية بينما برز دخول الأجنبي والغريب في مظاهر الحياة الثقافية والعامة بوضوح ..لينذر عن بدء مرحلة طويلة للتقهقر والانهيار الحضاري والثقافي في حياة العرب في تلك المرحلة التي بقيت متواصلة حتى بدايات القرن العشرين، وهي ما سميت بالفترة المظلمة .

اعتمد الكاتب والباحث باقر ياسين على الدقة في اعتماد الشواهد على ما ذهب إليه في موضوعه، ثم حلل الوقائع بشكل يوثق العلاقة الحقيقية بين الأحداث وبين الأشخاص الذين كانوا أبطالا لها حتى تأتي بحوثه عبر التاريخ بشكل متوازن، يقدم مواضيع وقصائد شعرية جاءت بأسلوب متفرد ، فمثل هذا الموضوع وهذا الكتاب لم يتطرق إليه لا النقد ولا البحث .
وأغنى أيضا بحثه باعتماد الحقبة الزمنية الممتدة بين العصر الجاهلي والعباسي دون أن يهمل أية واقعة ترتبط بذلك الموضوع، وهذا يدل على أن الباحث يحاول أن يقدم دائما الجديد في عالم البحث.

 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار