عبدالرحمن الحاج عبدالله..
لم يكن المشهد السوري قبل عام من اليوم، سوى صورة لإقليمٍ وعالمٍ تأقلم مع “قضية” يُظَنُّ أنها طويت، وحدود صراعٍ تم رسمها، وشعبٍ تُرك يواجه اليأس من أي حل. كان النظام البائد يعيش في أوهام النصر الفارغ، رافضاً أي دعوات للتفاهم يراها محاولة لانتزاع تنازلات تجاوزها – في مخيلته – بسطوته. لكن الواقع كان ينضح بالكارثة: اقتصاد في هوة سحيقة، وليرة فقدت أكثر من عشرة أضعاف قيمتها في الخمس سنوات الأخيرة قبيل السقوط، وعجز تام عن تقديم الخدمات أو إنعاش المعيشة. حول النظام البلاد إلى رهينة يفاوض العالم عليها لضمان بقائه، وإلى أكبر مصنع للمخدرات في العالم.
أدى تبريد الصراع نسبياً وهدوء المدافع إلى تأثيرات معاكسة لدى حاضنة النظام. فقد تراجع اقتصاد الحرب والتعفيش، وباتت عاجزة عن ضخ “الفتات” لتحسين الرواتب. وبدأ أنصار النظام يراجعون حسابات المكسب والخسارة، بعدما تبخر وهم “النصر” وتحسن المعيشة، ليجدوا أنفسهم أمام انكماش مرير. كما تم تسريح كثير ممن قاتلوا مع النظام في السنوات العشر الأولى، واستُبدلوا بفئة منهكة نفسياً ومعنوياً وجائعة، تفتقر لأي دافع حقيقي للقتال.
عالمياً، أدى عامل الزمن إلى تراجع الحلفاء. ثم جاءت حرب غزة وارتداداتها، وضرب النفوذ الإيراني وتقليم أظافره. وهكذا، فقد النظام الطائفي المافيوي معظم داعميه القادرين على إنقاذه.
على الجانب الآخر، شكَّلت السنوات الخمس الأخيرة قبل السقوط “استراحة محارب” حقيقية لقوى الثورة. تم فيها إعادة تقييم شامل، ومراجعة جذرية للمرحلة السابقة، وتصحيح الأخطاء، وبناء نموذج مصغر لإدارة المناطق المحررة. بُذلت جهود عظيمة في حشد القوى ورسم الخطط وتدريب المقاتلين وتصنيع السلاح والتحصين.
تم دراسة نقاط ضعف العدو بعناية، بل واختراق صفوفه، وعندما اكتملت التجهيزات وحانت اللحظة المناسبة بقراءة دقيقة لوضع النظام والإقليم والعالم، تم استثمار الفرصة برجال آمنوا بقضيتهم إيماناً مقدساً.
عندما اندلعت المعركة الحاسمة، ظن الأعداء – في الداخل السوري والإقليم وعلى رأسهم إسرائيل – أنها معركة كسابقاتها، فرصة جديدة “لترك الأعداء يتقاتلون ويستنزفون بعضهم” كما جرى في السابق.
لم تتوقع إسرائيل، وهي منشغلة بنزاعها مع المحور الإيراني، أن تكون المواجهة حاسمة وسريعة بهذا الشكل. استخدمت قوى الثورة تكتيكات ذكية أجهضت كل محاولات العصابة الأسدية اليائسة لتدارك الانهيار، وحافظت على زخم هجومي متلاحق لم يسمح للفلول بتجميع قواها أو بناء أي خط دفاعي متماسك.
تذكرنا معركة ردع العدوان هذه، بمعارك الصحابي الجليل سيف الله خالد بن الوليد في فتح بلاد الشام، حين لم يسمح للروم لملمة شتات قواهم، فلاحقهم من معركة إلى معركة وشتت شملهم وهزمهم شر هزيمة.
نستذكر في هذه الأيام سقوط النظام المافيوي الطائفي الفاجر. إنها أيام فارقة تاريخية لا تتكرر كثيراً في حياة الشعوب. فهنيئاً لشعب سوريا النصر، والرحمة والخلود لشهدائه الأبرار.