محمد سلام حنورة…
لم يكن سقوط النظام مجرّد حدث سياسي؛ كان لحظةً انفتح فيها بابٌ ظلّ موصداً نصف قرن.
كان يوماً هزّ التراب نفسه، وكأن الأرض التي ابتلعت أصوات الناس سنوات طويلة قد قررت أخيراً أن تُعيد إليهم أنفاسهم.
في الساعات الأولى، لم يخرج السوريون إلى الشوارع احتفالاً فقط؛ خرجوا ليختبروا شيئاً بدائياً… شيئاً كان مفقوداً: الطمأنينة، كانوا يتلمّسون الهواء كما لو أنه مختلف، يتأكدون من أن عيون المخابرات لم تعد معلّقة في الفراغ، وأن الجدران — التي كانت تملك آذاناً — صارت مجرّد إسمنت.
في البيوت، كانت هناك لحظات صامتة أثقل من كل الهتافات.
أمهاتٌ يحدّقن في وجوه أبنائهن الناجين، يتساءلن بينهن وبين أنفسهن:هل يمكن فعلاً أن ينتهي هذا الكابوس؟
ورجالٌ اعتادوا الهمس يخاطبون زوجاتهم بصوت مسموع للمرة الأولى منذ زمن طويل.
شبابٌ عاشوا نصف حياتهم وهم يلتفتون خلفهم، يمشون اليوم في الشوارع ولا يخافون من سؤال شرطـي: “هويتك!”.
تلاشي الخوف لم يحدث دفعة واحدة؛ كان انسحاباً متدرجاً، يشبه ذوبان الثلج.
في البداية، توقّف الناس عن إغلاق النوافذ عند الحديث عن السياسة.
ثم بدأوا يكتبون بأسمائهم الحقيقية على مواقع التواصل.
ثم عاد الضحك إلى المقاهي… ضحكٌ طبيعي، ليس ذاك المكسور الذي يخشى أن يعلو.
في مدنٍ كثيرة، كان مشهد الشبان وهم يرفعون صور المعتقلين المفقودين أقوى من أي استعراض سياسي.
كان إعلاناً جماعياً:”نريد أن نعيش دون خوف… ولن نقبل أن يُعاد بناؤه من جديد.”
حتى الأطفال الذين وُلدوا في زمن الحرب شعروا بفرق غريب في وجوه الكبار.
رأوا آباءهم للمرة الأولى بلا توترٍ مقيم في العيون، بلا تلك الحركات البسيطة التي كانت تخونهم — ارتعاش إصبع، التفاتة سريعة، تنفّس مقطوع.
صار الكبار يمشون ببطءٍ أكثر، كأنهم يتعرّفون على مدنهم من جديد.
ولم تكن الحرية كلمة كبيرة عند الناس في تلك الأيام، كانت شيئاً ملموساً:
أب يقول لابنه: “احكي رأيك عادي.”
أمٌ تزيل ورقة كتبت عليها دعاءً لعودة معتقل.
صحفي يكتب مقالاً بلا أن يبحث عن المراقبين.
شابةٌ تصوّر الشارع بلا خوف من أن يُحاسبها أحد.
كان السوريون يعودون إلى أنفسهم، يكتشفون طبقات عميقة من الحياة لم يكن ممكناً الوصول إليها بوجود الخوف.
وللمرة الأولى منذ عقود، كان المستقبل مفتوحاً — ليس سهلاً، ولا مضموناً، لكنه مفتوح.
إن تلاشي الخوف هو أول شكلٍ من أشكال النصر…
والبلد الذي تعلّم أناسُه أن يعيشوا دون خوف،يستطيع أن يبدأ من جديد، مهما كانت الجراح عميقة.