أسماء خيرو..
وسط زخم الفعاليات الثقافية التي تعيشها المدينة منذ فجر التحرير، تتكشف ملامح حكاية مختلفة تصوغها طاقات الشباب وإبداعاتهم. فبين المعارض الفنية والأمسيات الشعرية والعروض الموسيقية، يبرز مشهد ثقافي ينبض بروح تحررت من القيود، وتبحث عن فضاء أرحب للتعبير.
في أحد المعارض، استوقفتني لوحة لطائر يحطم قفصاً. قال الفنان الشاب الذي رسمها إن هذا الطائر يمثل جيلاً كان يبحث عن مساحته حتى نالها. كلماتُه أعادت إلى الذاكرة رحلة المستضعفين الذين انتفضوا ضد واقعٍ خانق، وحملوا السلاح حين أُغلقت أبواب الكلام، لكن سلاحهم الأعمق كان إيماناً متقداً بالحرية. هناك تساءلت: كم قفصاً صنعه النظام البائد لأفكارنا، وكم نحتاج من شجاعة لتهشيمها.
أما في أمسية شعرية، فقد حملت القصائد جراحاً شخصية وحكايات خلاص من براثن نظام الأسد نحو فضاء الحرية. قال أحد الشعراء إن كتابة هذه الرحلة ليست توثيقاً لأحداث جامدة، بل إصغاء إلى نبض وطن أراد أن يحيا، فاختار أن يدفع ثمن ولادته الجديدة. هناك أدركت أن التحرير الأدبي يبدأ من مواجهة الذات قبل مواجهة الخارج.
وفي مهرجان ثقافي، تحولت الساحة العامة إلى مسرح مفتوح. قال المنظم إن تحويل الفضاء العام إلى مساحة للحياة هو شكل من أشكال استعادة الحق بعد زوال النظام، عبر جداريات وأغانٍ ورقصات تحتفي بالحرية.
لكن ما كان يلفتني أكثر هو ما يُقال خلف الكواليس: شباب يتحدثون عن مشاريعهم بثقة وواقعية، يدركون التحديات لكنهم يمضون قدماً. تحريرهم اليوم ليس شعارات، بل خطوات صغيرة تبني مستقبلاً يجد فيه كل صوت مساحته.
لقد نقش هؤلاء الشباب مشاهد التحرير في الوجدان قبل أن يجسدوها في أعمالهم. غير أن الوفاء للنصر لا يكتمل بتوثيق البطولات فحسب، بل باستمرار المسيرة وحماية أجنحة الحرية من الانكسار، والإبقاء على “الصورة التحريرية الكبرى” حيّة في واقع كل مواطن.
فالتحرير ليس ذكرى تُحفظ في الأرشيف، بل فعل يومي نصنعه بالإرادة، ونرسم مستقبله بروح الالتزام والمسؤولية. وما شهدته خلال تغطيتي الثقافية يؤكد أن التحرير الحقيقي يُبنى بأنامل الإبداع، وبعزم الشباب الذي يرفض أن يكون سجين أي قفص.