حين تتحوّل القراءة إلى حياة .. معرض الكتاب في دمشق موعد مع المستقبل   

 

د. محمد جمال طحان ..

 

لا تُقاس معارض الكتب بعدد العناوين المعروضة ولا بحجم المبيعات فقط، بل تُقاس بقدرتها على إعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها فعلًا يوميًا، وعلى تحويل القراءة من ممارسة فردية صامتة إلى حدث اجتماعي وثقافي نابض بالحياة. ففي زمن تتزاحم فيه الشاشات وتتناقص فيه مساحات التأمل، تأتي معارض الكتب كاستراحة للعقل، وكنداء مفتوح للعودة إلى السؤال، والبحث، والاختلاف الخلّاق.

تشكل معارض الكتب فضاءً جامعًا تتقاطع فيه اهتمامات القرّاء والكتّاب والناشرين، وتلتقي فيه الأجيال على أرضية واحدة: شغف الكلمة. هنا لا يكون الكتاب سلعةً فحسب، بل تجربة؛ تصفّحه، رائحته، الحوار الذي ينشأ حوله، والصدفة الجميلة التي تقود القارئ إلى كتاب لم يكن يبحث عنه لكنه كان بحاجة إليه.

ولا تكتمل أهمية هذه المعارض من دون النشاطات المرافقة لها. فالندوات الفكرية، وجلسات الحوار، وتواقيع الكتب، وورشات الأطفال، والأمسيات الشعرية، تحوّل المعرض إلى مهرجان ثقافي متكامل. هذه النشاطات تفتح باب النقاش حول قضايا راهنة في الفكر والأدب والسياسة والمجتمع، وتعيد وصل القارئ بالمؤلف، لا بوصفه اسمًا على الغلاف، بل إنسانًا حيًا يحمل أسئلته وتجربته وهواجسه.

وفي هذا السياق، يكتسب “معرض دمشق الدولي للكتاب” الذي يفتتح في الخامس من شباط/فبراير ٢٠٢٦، أهمية مضاعفة. فهو ليس حدثًا ثقافيًا دوريًا فحسب، بل مناسبة تحمل أبعادًا رمزية عميقة. دمشق، المدينة التي عرفت الكتاب مبكرًا، واحتضنت الورّاقين والمدارس والمكتبات منذ قرون، تستعيد عبر هذا المعرض جزءًا من دورها التاريخي كمركز للإشعاع الثقافي العربي.

تعود هذه التظاهرة الثقافية العريقة إلى قلب العاصمة السورية لتؤكد أن الكتاب يظل منارة للمعرفة ووسيلة للتواصل الحضاري، مهما تعاقبت الظروف. تحت شعار “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرأه”، يُعد هذا الحدث علامة فارقة في إحياء المشهد الثقافي السوري وتأكيد دور دمشق التاريخي كعاصمة للفكر والثقافة العربية.

إن انطلاق المعرض هذا العام يأتي في لحظة تحتاج فيها الحياة الثقافية السورية إلى ترميم عميق، لا بالشعارات، بل بالفعل الثقافي الجاد. ومعرض الكتاب، بما يجمعه من دور نشر سورية وعربية، وبما يقدّمه من برنامج ثقافي متنوع، يشكّل فرصة لإعادة بناء الجسور بين القارئ السوري والكتاب، وبين المثقف وجمهوره، وبين الثقافة وأسئلتها المؤجلة.

كما أن المعرض يفتح نافذة ضرورية أمام الأجيال الشابة، خصوصًا الأطفال والطلاب، لاكتشاف الكتاب خارج إطار المناهج والواجبات. فالقراءة الحرة، حين تُقدَّم في فضاء احتفالي ومفتوح، تصبح مغامرة لا عبئًا، وشغفًا لا فرضًا.

إن أهمية معرض دمشق للكتاب لا تكمن فقط في ما يعرضه، بل في ما يوحي به: أن الثقافة ما زالت ممكنة، وأن الكتاب لم يفقد دوره، وأن المدينة قادرة، رغم كل ما مرّت به، على أن تقول كلمتها بهدوء وعناد نبيل. وذلك بما يرافق المعرض من مجموعة فعاليات مثل الندوات الفكرية، الأمسيات الأدبية، ورش العمل، العروض المسرحية والفنية، وجوائز التكريم، مما يُثري التجربة ويجذب شرائح واسعة من المجتمع.

في النهاية، تبقى معارض الكتب — ومعرض دمشق في مقدمتها — فعل مقاومة ثقافية راقية، وانتصارًا للمعرفة على العزلة، وللسؤال على اليأس، وللكلمة على الصمت. إنها تذكير سنوي بأن المجتمعات لا تُبنى بالخبز وحده، بل بالفكرة، والحلم، والكتاب.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار