محمد مهنا …
في كل منخفض جوي يكشف المطر معادن الناس كما يكشف هشاشة الخيام تتجه الأنظار إلى المخيمات حيث يعيش أهلنا فصول المعاناة المفتوحة منذ سنوات وحين اشتدت الهطولات المطرية في محافظتي اللاذقية وإدلب سارعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث منذ صباح الثلاثاء العاشر من شباط وحتى مساء الأربعاء الحادي عشر منه إلى استجابة ميدانية متواصلة ففُتحت أكثر من خمسة وعشرين طريقا ووُجدت ثلاثون ممرا مائيا لحرف السيول ورُفعت سواتر ترابية درءا لتجمع المياه ونُفذت عمليات إخلاء لمئة وثلاث وسبعين عائلة من ستة مخيمات في بداما وخربة الجوز ونُقلوا إلى مراكز الإيواء مع تقديم الرعاية الطبية والمساعدات الأساسية وتنسيق الجهود مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومحافظة إدلب لتنظيم عمل المنظمات
هذه الأرقام ليست ترفا إعلاميا بل جهد على الأرض في ساعات مطر وبرد ووحل وبينما كانت الآليات تفتح الطرق كانت بعض الحسابات على منصات التواصل تفتح بثا مباشرا يختزل المشهد كله في صورة خيمة غارقة وكأن الدولة غائبة وكأن المؤسسات لا تعمل وكأن الاستجابة لا تجري إلا بعد انتهاء التصوير
لسنا ضد تسليط الضوء على معاناة المخيمات بل نحن أول من يطالب بإنهاء هذه المأساة جذريا لأن أهلنا الذين قدموا التضحيات الكبرى يستحقون حياة كريمة وسكنا آمنا لكننا في الوقت نفسه نرفض تحويل آلامهم إلى مادة للمشاهدات واللايكات ونرفض أن يُبنى الرأي العام على نصف صورة ويُحجب عنه نصف الجهد
العدالة في الطرح تقتضي أن نرى الخيمة الغارقة كما نرى الجرافة التي تفتح الطريق وأن نسمع صرخة المتضرر كما نسمع صوت فرق الإنقاذ وهي تعمل وأن ننتقد القصور إن وجد دون أن ننكر الفعل حين يكون حاضرا فالمخيمات ليست مسرحا للمزايدة ولا ساحة لتصفية الحسابات بل جرح وطني يحتاج إلى تضافر الجميع
إن إنهاء أزمة المخيمات مسؤولية جماعية تبدأ بخطط إسكان حقيقية وتنمية مستدامة ولا تنتهي عند حدود منشور أو مقطع مصور وبين النقد المسؤول والاستعراض مسافة أخلاقية كبيرة من أراد الوقوف مع أهل المخيمات فليكن صوته جسرا للحل لا سلما للشهرة وليكن همه كرامة الناس لا عدد المتابعين