مصطفى الدناور ….
في كل مرة تضرب فيها كارثة إنسانية مخيمات الشمال وتتكشف هشاشة الخيام أمام السيول والفيضانات يخرج وجع الناس إلى العلن لا بوصفه مأساة تستدعي التضامن بل كمادة جاهزة للاستهلاك الرقمي حيث يسارع بعض المؤثرين إلى رفع الكاميرا لا لنقل الحقيقة كاملة بل لاصطياد المشاهدات وجمع اللايكات وكأن معاناة العائلات التي جرفت المياه خيامها تصلح لأن تكون لقطة عاطفية سريعة تنتهي بانتهاء التفاعل فالمسألة هنا ليست مجرد تغطية أو تعاطف بل امتحان أخلاقي للإعلام ولمن يقدمون أنفسهم كصوت للناس لأن الإضاءة على الألم واجب إنساني ومهني لكن تحويله إلى وسيلة للمتاجرة يفرغه من معناه ويجرده من كرامته
وما يزيد هذا الخلل وضوحا أن الخطاب المنتشر ركز على النقد المجتزأ وتجاهل عمدا أو إهمالا الاستجابة الحكومية التي رافقت الحدث منذ ساعاته الأولى حيث شهدت المناطق المتضررة حالة استنفار واسعة شملت مختلف الجهات المعنية فتم العمل على فتح مجاري الأنهار وتصريف المياه لتخفيف خطر الغرق ونقلت عائلات من المخيمات التي غمرتها السيول إلى أماكن أكثر أمنا في محاولة عاجلة لحماية الأرواح كما جرى توجيه مديرية التربية لفتح المدارس وتحويلها إلى مراكز إيواء مؤقتة تستوعب المتضررين وتوفر لهم الحد الأدنى من الأمان في ظل الظروف الصعبة
ولم تقف الاستجابة عند الإجراءات الإدارية بل ترجمت بحضور ميداني مباشر حيث وصل محافظ إدلب ووزير الطوارئ إلى مواقع الفيضانات للاطلاع على حجم الأضرار ومتابعة الأعمال الجارية والاستماع إلى شكاوى الناس والوقوف إلى جانبهم في لحظة حرجة وهو حضور يحمل دلالة سياسية وإنسانية لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن الحدث بمهنية فالنقد حق بل ضرورة لكن العدالة في الطرح تقتضي أن تكون الصورة كاملة وأن يقال للناس ما يجري فعلا لا ما يخدم تصعيد الخطاب وزيادة نسب المشاهدة
إن المأساة التي يعيشها أهل المخيمات لا تحتاج إلى مزاودات ولا إلى بطولات رقمية بل إلى خطاب مسؤول يرى الإنسان قبل الخوارزمية ويضع كرامة المتضررين فوق أي اعتبار فالمعاناة ليست وسيلة للشهرة والوجع ليس سلعة ومن يحترم الناس حقا ينقل ألمهم بصدق ويضيء على التقصير إن وجد كما يعترف بالجهد حين يكون حاضرا لأن الإعلام في لحظات الكوارث إما أن يكون جسرا للثقة أو أداة للاستغلال.