محمد مهنا …
ترتبط إذاعة دمشق بذاكرة السوريين كأحد أقدم الرموز الثقافية والإعلامية التي رافقت تفاصيل حياتهم اليومية لعقود طويلة وكانت حاضرة في البيوت والطرقات والحقول بصوتها وبرامجها وأغانيها ونشرات أخبارها فشكلت جزءا من الوجدان الجمعي والهوية السمعية لسورية إلا أن هذا الحضور التاريخي تعرض خلال سنوات النظام البائد للتشويه حين جرى تفريغ الإذاعة من دورها المهني وتحويلها إلى أداة تمجيد وتلميع وخطاب دعائي يبتعد عن الناس وقضاياهم ولا يستند إلى أي أسس إعلامية حقيقية كما هو حال معظم وسائل الإعلام الرسمية في تلك المرحلة. اليوم ومع انطلاقة إذاعة دمشق بحلتها الجديدة يوم غد تعود الإذاعة لا كصوت من الماضي فقط بل كمنصة معاصرة تعلن قطيعة واضحة مع ذلك النمط وتؤسس لمرحلة مختلفة تعتمد المصداقية والدقة والموضوعية في نقل الأخبار والتعامل مع الشأن العام بروح مهنية تحترم عقل المستمع وتضع الحقيقة في المقام الأول. هذه العودة لا تقتصر على تحديث الشكل أو تطوير الأدوات التقنية بل تمثل تحولا في الفلسفة الإعلامية يعيد تعريف دور الإذاعة كوسيلة قريبة من الناس تنقل نبضهم وهمومهم اليومية وتعكس تنوع المجتمع وتطلعاته بعد سنوات من التغييب والتزييف. إن إذاعة دمشق في ثوبها الجديد تسعى لاستعادة ثقة الجمهور عبر الالتزام بالمعايير الصحفية المهنية وتقديم خبر موثوق وتحليل مسؤول بما يعيد للإعلام دوره الطبيعي كخدمة عامة وشريك في بناء الوعي لا كأداة دعاية أو تضليل وبذلك تفتح صفحة جديدة تجمع بين إرث تاريخي عريق وصوت مهني معاصر يعيد لهذا الرمز الثقافي مكانته ويمنحه فرصة حقيقية ليكون جزءا فاعلا من مستقبل الإعلام السوري.