مصطفى الدناور….
ثلاثة عشر عاماً مرّت على مجزرة الغوطتين التي استخدم فيها النظام البائد السلاح الكيميائي ضد المدنيين لتبقى واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها سورية في سنوات المأساة وأكثرها وضوحاً في انتهاك كل القوانين والمواثيق الإنسانية فالمئات من الأطفال والنساء والرجال الذين اختنقوا بغاز السارين في 21 آب 2013 لم يكونوا مجرد أرقام في سجل الجريمة بل كانوا أرواحاً سورية وبيوتاً وعائلات وأحلاماً أُزهقت في لحظات وحشية لا يمكن أن يمحوها الزمن
وفي ذكرى هذه المجزرة لا تقتصر المسؤولية على استحضار صور الضحايا أو تذكّر تفاصيل الجريمة وإنما تتجسد المسؤولية الحقيقية في جعل العدالة مساراً ثابتاً لا يخضع للظروف ولا يتراجع أمام مرور السنوات فحق الضحايا والناجين في معرفة الحقيقة ومحاسبة من أمر ونفذ وشارك وغطى هذه الجرائم ليس مطلباً سياسياً عابراً بل حق إنساني ووطني لا يسقط بالتقادم
إن ملاحقة المتورطين في ملف الأسلحة الكيميائية واعتقال عدد من الضباط والمسؤولين المرتبطين بهذا الملف يمثل خطوة مهمة على طريق كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا لكنه يجب أن يكون جزءاً من مسار أوسع يضع كل من شارك في هذه الجرائم أمام القضاء وفق أدلة واضحة وإجراءات قانونية تضمن المحاسبة العادلة وتمنع الإفلات من العقاب
والعدالة في قضية مجزرة الكيماوي لا تعني الانتقام وإنما تعني بناء دولة مختلفة لا يستطيع فيها صاحب السلطة أن يقتل مواطنيه ثم يراهن على النسيان كما تعني طمأنة السوريين إلى أن كرامة الإنسان وحياته أصبحتا فوق أي اعتبار وأن جرائم الماضي لن تتحول إلى سابقة يمكن تكرارها في المستقبل
كما أن التخلص النهائي من الإرث الكيميائي المرتبط بعهد النظام البائد لا يقل أهمية عن محاسبة المسؤولين عنه لأن سورية الجديدة تحتاج إلى طي هذا الملف على أساس الحقيقة والمساءلة والأمن وضمان عدم تكرار استخدام هذه الأسلحة ضد السوريين أو تهديد أمن المنطقة
تبقى أسماء ضحايا الغوطتين ووجوه أطفالها ونسائها ورجالها جزءاً من الذاكرة الوطنية السورية وستبقى العدالة لهم اختباراً حقيقياً لقدرة سورية على بناء دولة تحترم الإنسان وتصون حقوقه وتواجه ماضيها بشجاعة فالأوطان لا تُبنى بالنسيان وإنما بالاعتراف بالضحايا وإنصافهم ومحاسبة من ارتكب الجرائم بحقهم.
🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer