مجزرة الكيماوي ذاكرة وطنية ومسؤولية لا تنتهي

مصطفى.د…

ليست ذكرى مجزرة الغوطتين مناسبة لاستعادة مشاهد الألم فقط بل هي محطة يتجدد فيها السؤال عن العدالة التي يستحقها أكثر من ألف وأربعمئة مدني قضوا اختناقاً بغاز السارين في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق السوريين فمرور ثلاثة عشر عاماً لم يغيّر من حقيقة الجريمة شيئاً ولم يحوّل الضحايا إلى صفحة من الماضي لأن الجرائم الكبرى لا تنتهي بانتهاء يومها وإنما تبقى آثارها في ذاكرة أهل الضحايا وفي وجدان المجتمع وفي مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها

إن سورية اليوم أمام مسؤولية تاريخية في التعامل مع هذا الملف فالمطلوب ليس فقط كشف أسماء المتورطين أو ملاحقة من بقي منهم على قيد الحياة بل بناء مسار عدالة يوضح الحقيقة كاملة ويضع المسؤولية في مكانها الصحيح ويضمن ألا يتمكن أي متورط في جريمة بهذا الحجم من الإفلات من المحاسبة فالعدالة هنا ليست انتقاماً من الماضي وإنما تأسيس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطن تقوم على حماية الإنسان واحترام حياته وكرامته

ولعل أهمية هذا الملف تتجاوز حدود الضحايا المباشرين إلى مستقبل سورية كلها فالدولة التي تواجه جرائمها بوضوح وشجاعة تستطيع أن تكسب ثقة مواطنيها وأن تؤسس لمرحلة مختلفة أما ترك الجرائم الكبرى بلا محاسبة فيبقي جرحاً مفتوحاً ويمنح ثقافة الإفلات من العقاب فرصة للعودة بأشكال جديدة ولذلك فإن محاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي يجب أن تكون جزءاً من منظومة أوسع للعدالة الانتقالية التي تنصف الضحايا وتكشف الحقيقة وتمنع تكرار الجرائم

كما أن التعامل مع الإرث الكيميائي للنظام البائد يجب ألا يقتصر على الجانب الأمني أو التقني بل ينبغي أن يكون جزءاً من عملية وطنية تؤكد أن سورية الجديدة لا مكان فيها للأسلحة التي استُخدمت ضد شعبها وأن أمن السوريين وسلامة المنطقة لن يكونا موضع مساومة

ثلاثة عشر عاماً على مجزرة الغوطتين لا تعني أن الذاكرة تبتعد بل تعني أن مسؤولية العدالة أصبحت أكثر إلحاحاً فالضحايا الذين رحلوا لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم والناجون ما زالوا يحملون آثار تلك الليلة ولذلك فإن إنصافهم اليوم هو وفاء للحقيقة قبل أن يكون وفاء للذكرى وهو رسالة واضحة بأن سورية التي تتطلع إلى المستقبل لن تبني هذا المستقبل فوق النسيان بل فوق الحقيقة والعدالة ومحاسبة كل من ارتكب جريمة بحق شعبها.

🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer

 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار