قانون قيصر وسقوط آخر الجدران أمام الاقتصاد السوري 

 

مصطفى الدناور ..

 

يشكّل إلغاء “قانون قيصر” الذي صوّت عليه الكونغرس الأميركي يوم أمس منعطفاً اقتصادياً يبدّل ملامح المشهد الاقتصادي السوري بعد سنوات طويلة من الانكماش والاختناق المالي. فالقانون الذي ظلّ لسنوات أحد أكثر القيود ثقلاً على الحركة الاقتصادية والتجارية يتهاوى اليوم فاتحاً نافذة واسعة أمام عودة عجلة الإنتاج وعودة المستثمرين واستعادة القنوات المالية التي طالما شُلّت تحت وطأة القيود والعقوبات.

ورغم الطابع السياسي الذي أحاط بالقانون منذ صدوره إلا أن انعكاساته الاقتصادية كانت الأكثر وطأة على السوريين.

ولذا يمكن القول إن إلغاءه لا يمثل مجرد خطوة عادية بل هو فكّ قيدٍ عن اقتصادٍ كامل

فمن الناحية الاقتصادية تبرز الخطوة بوصفها بداية مسار جديد لا يقلّ أهمية عن أي تحول سياسي. فالاقتصاد السوري يقف اليوم أمام فرصة لإعادة التموضع ولإعادة بناء جسور التعاون التي انقطعت مع كبريات الشركات والبنوك الإقليمية والدولية. إذ يشكّل رفع القيود المالية حجر الأساس في أي عملية إنعاش اقتصادي لأنه يعيد الحركة إلى الشرايين التي تضخّ السيولة ويمكّن المؤسسات من الوصول إلى تحويلات_ تمويلات _ اعتمادات _ وعمليات تجارية كانت شبه مستحيلة طوال السنوات الماضية.

من المتوقع أن تتحرك الأسواق ببطء أولاً لكن بثقة متزايدة. فعودة الشركات والمستثمرين ترتبط دائماً بمناخ الثقة والقدرة على العمل دون تهديد قانوني. ومع زوال مظلة قيصر يصبح الدخول إلى السوق السورية خياراً واقعياً لا مغامرة غير محسوبة. وهذا وحده كفيل بتنشيط القطاعات الإنتاجية من الصناعة الثقيلة والمتوسطة إلى الزراعة والتشييد وصولاً إلى القطاع الخدمي الذي يحمل وزناً كبيراً في تشغيل اليد العاملة ورفد السوق بالسيولة.

وعلى مستوى الأسعار فإن فتح الباب أمام تدفق المواد الخام والآلات والتجهيزات بآليات استيراد أكثر سهولة سيؤدي إلى دعم المصانع المتوقفة وتقليل كلفة الإنتاج وبالتالي تخفيف الضغط على الأسعار في السوق المحلية. ورغم أن هذا التحسن لن يكون فورياً إلا أن الانفراج في حركة التجارة الخارجية سيضع الأساس الطبيعي للاستقرار السعري الذي يحلم به السوريون منذ سنوات.

كما يشكّل الإلغاء فرصة لإعادة رسم دور القطاع المصرفي السوري بعد أن كان معطلاً تقريباً في علاقاته الخارجية. فتمكين المصارف من العمل عبر الشبكات المالية العالمية يعيد الحياة إلى قطاع التمويل ويمنح المشاريع الصغيرة والمتوسطة القدرة على النمو وهي مشاريع تشكّل القاعدة الاجتماعية والاقتصادية الأكثر صلابة في أي عملية تعافٍ

باختصار…

إن إلغاء “قانون قيصر” ليس نهاية أزمة لكنه بداية زمن اقتصادي جديد زمن يمكن فيه لسورية أن تنفض أثقال الحصار وتعيد تنظيم أسواقها وتستقطب رؤوس الأموال وتحوّل الإمكانات المعطّلة إلى قوة إنتاج حقيقية.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار