محمد مهنا …
تكريم محافظ إدلب لرئيس بلدية كفر سجنة مصطفى العبد الله لقيامه بترميم إحدى المدارس بيديه لا يمكن التعامل معه كخبر بروتوكولي عابر أو لقطة دعائية عاطفية بل هو رسالة عميقة الدلالة في زمن التبست فيه مفاهيم المنصب العام واختلط فيه التشريف بالتكليف هذا المشهد البسيط في ظاهره يعيد طرح السؤال الجوهري حول معنى أن تكون مسؤولا هل هو لقب يسبق الاسم أم عبء أخلاقي ووطني يفرض على صاحبه أن يكون في مقدمة العاملين لا في مقدمة المتفرجين رئيس بلدية ينزل إلى مدرسة متهالكة ويمسك أدوات الترميم بيديه لا يفعل ذلك بحثا عن مجد شخصي ولا استعراضا إعلاميا بل لأنه أدرك أن المنصب ليس سلطة فوق الناس بل خدمة لهم وأن أقصر الطرق إلى احترام المجتمع يمر عبر العمل الصامت لا عبر الخطب والشعارات
هذا النموذج يذكر بأن الإدارة المحلية الحقيقية لا تدار من خلف المكاتب ولا تختصر بتوقيع الكتب والمراسلات بل تقاس بمدى قرب المسؤول من مشكلات الناس اليومية وقدرته على تحويل الصلاحيات إلى أفعال ملموسة عندما يرى الأهالي مسؤولا يعمل كما يعملون ويتحمل ما يتحملون تتغير صورة الدولة في أذهانهم ويستعاد شيء من الثقة المفقودة بين المجتمع والمؤسسات فالمنصب هنا لم يكن تشريفا يعلو بصاحبه بل مسؤولية أنزلته إلى الميدان وجعلته جزءا من الحل لا شاهدا على المشكلة
إن تكريم هذا السلوك يحمل رسالة أوسع من شخص أو بلدية مفادها أن المرحلة تحتاج إلى مسؤولين من هذا الطراز مسؤولين يعتبرون أن مواقعهم تكليف مؤقت لخدمة الناس لا مكسبا دائما ولا امتيازا شخصيا وأن القيمة الحقيقية لأي منصب تقاس بما يتركه من أثر لا بما يضيفه من ألقاب ففي بلدنا الذي عانى ما عانى يصبح العمل بيدين متواضعتين أبلغ من ألف قرار إداري ويصبح المثال الحي أقوى من أي خطاب نظري هكذا فقط يستعاد معنى المنصب كمسؤولية ويعاد تعريف السلطة بوصفها أمانة قبل أن تكون صلاحية.