حين يتحول رمضان إلى موسم استغلال لا موسم رحمة

 

مصطفى الدناور ..

 

مع اقتراب شهر رمضان تبدأ بعض الأسواق بحمى رفع الأسعار وكأن الشهر الكريم فرصة لزيادة الأرباح لا مناسبة للتكافل والتراحم حيث يفاجأ الناس بارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية دون أي مبرر حقيقي سوى زيادة الطلب واستغلال حاجة الأسر التي تعاني أصلا من ضعف الدخل وتدني الرواتب في ظروف اقتصادية صعبة تمر بها سورية منذ سنوات طويلة. صحيح أن اعتماد اقتصاد السوق الحر هو خيار معمول به في كثير من الدول ويقوم على مبدأ العرض والطلب وحرية المنافسة لكن هذا النموذج يحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة ودخول مرتفعة وقدرة شرائية متوازنة وهو ما لا يتوافر اليوم بالشكل الكافي في سورية حيث تتآكل الرواتب أمام أي ارتفاع مفاجئ في الأسعار ويصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة السوق. إن ترك الأسعار بلا ضوابط في ظل هذا الواقع يفتح الباب أمام بعض التجار لاستغلال المواسم الدينية لتحقيق مكاسب سريعة على حساب الناس وهذا يتناقض مع القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يفترض أن تسود في شهر الصيام. لذلك فإن تدخل الحكومة هنا لا يعد تقييدا لاقتصاد السوق بل هو إجراء تنظيمي لحماية التوازن ومنع الاحتكار ويمكن أن يتم ذلك عبر تفعيل دور مؤسسات التدخل الإيجابي /التجزئة مثلا / وزيادة ضخ المواد الأساسية بأسعار مدروسة في صالات البيع الحكومية وتكثيف الجولات الرقابية الحقيقية على الأسواق وفرض عقوبات رادعة على المخالفين ونشر نشرات سعرية واضحة وملزمة للسلع الأساسية خلال الشهر الفضيل. كما يمكن للحكومة أن تدعم مبادرات البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك لتقليل حلقات الوساطة التي ترفع السعر وأن تشجع إنشاء أسواق شعبية مؤقتة في الأحياء خلال رمضان وأن تقدم تسهيلات ضريبية للتجار الملتزمين بالأسعار العادلة مقابل تشديد العقوبات على المحتكرين. كذلك فإن تعزيز ثقافة المقاطعة المجتمعية للتجار المستغلين يشكل أداة ضغط فعالة إذا ما أحسن تنظيمها إضافة إلى توعية الناس بترشيد الاستهلاك وعدم الانجرار وراء الشراء المفرط الذي يغذي جشع بعض التجار. إن العدالة في السوق ليست مسؤولية الدولة وحدها بل هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والتاجر والمجتمع لكن تبقى الدولة الجهة القادرة على ضبط الإيقاع ومنع الفوضى حماية للاستقرار الاجتماعي. رمضان يجب أن يكون موسما للرحمة والتكافل لا موسما لاستنزاف جيوب الفقراء ومن واجب الجميع أن يحافظوا على قدسية هذا الشهر عبر سلوك اقتصادي أخلاقي يراعي ظروف الناس ويعزز الثقة بين المواطن والسوق.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار