محمد مهنا …
لقد لاقت خطوة وزارة الإدارة المحلية بإصدار قرارات عودة الموظفين المفصولين بسبب الثورة ارتياحا واسعا وأعادت الأمل إلى فئة طالما شعرت بأنها مهمشة في ضوء التحديات الكثيرة التي تواجهها وهي الفئة التي دفعت ثمنا باهظا لانحيازها إلى شعبها ووقوفها إلى جانب الحق حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها الشخصية ووظائفها وأمانها المعيشي.
إن حل ملف الموظفين المفصولين بسبب الثورة هو أحد بنود العدالة الانتقالية التي نطالب بها والتي من أهم أهدافها جبر الضرر الذي لحق بالضحايا ورد الحقوق إلى أصحابها وهذا الملف برأيي يستحق أولوية خاصة فلا يعقل أن يعاقب من انحاز إلى الحق ورفض ظلم النظام البائد بأن تتجاهل حقوقه المشروعة أو أن تبقى قضيته معلقة ويرحل حلها إلى أجل غير معلوم ولا سيما ونحن نقترب من الذكرى الثانية لتحرير سورية من رجس النظام البائد.
الموظفون الذين فصلوا بسبب الثورة لا يطالبون بالمستحيل ولا يبحثون عن امتيازات خاصة وإنما يطالبون بحقوق سلبت منهم على يد النظام البائد وهي حقوق يكفلها القانون والعدالة ومن هنا فإن عودتهم يجب أن تنظم ضمن إطار قانوني واضح يضمن لهم عودة كريمة ورد حقوقهم الوظيفية وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم طوال سنوات الحرمان.
لقد تفرقت سبل هؤلاء الموظفين بعد فصلهم ووجد كثير منهم أنفسهم بين ليلة وضحاها بلا مصدر دخل ولا أمان وظيفي اضطروا معه إلى البحث عن أبواب جديدة للرزق بعيدا عن مؤسسات النظام فامتهن بعضهم أعمالا لم تكن تخطر في باله يوما واضطر آخرون إلى العمل في مهن بعيدة كل البعد عن اختصاصاتهم بل وفي أعمال تتطلب جهدا بدنيا شاقا فقط ليؤمنوا لأسرهم لقمة العيش الكريم.
ومع ذلك لم يكن التفكير بالتراجع عن موقفهم والعودة إلى حضن النظام خيارا مطروحا لديهم كانوا يرون أن الركون إلى الظالمين ظلم فاختاروا أن يدفعوا الثمن مهما كان قاسيا فمنهم من نزح داخل البلاد ومنهم من اضطر إلى الهجرة خارجها بحثا عن فرصة عمل وحياة أكثر أمانا بعد أن سدت في وجوههم أبواب كثيرة.
وأعرف أشخاصا كثيرين كانوا يشغلون وظائف محترمة مدرسين وإعلاميين وإداريين وموظفين في مختلف مفاصل الدولة ثم وجدوا أنفسهم يعملون في مهن وأعمال بدنية لا علاقة لها بتخصصاتهم فقط ليتمكنوا من إعالة أسرهم لقد دفع هؤلاء الثمن مضاعفا فقدوا وظائفهم وأمانهم الوظيفي ثم اضطروا إلى البدء من الصفر في بيئات جديدة وفي كثير من الأحيان بعيدا عن وطنهم وأهلهم.
لذلك فإن عودة الموظفين المفصولين بسبب الثورة يجب ألا تكون مجرد قرار إداري عابر بل ينبغي أن تكون عودة تليق بتضحياتهم وتحفظ كرامتهم وتعيد إليهم حقوقهم المسلوبة فقد عاقبهم النظام البائد إضافة إلى الفصل من وظائفهم بإجراءات وقرارات أخرى من بينها منع السفر وهي آثار لم تنته بسقوط النظام بل بقيت تلاحق أصحابها حتى بعد التحرير حين وجدوا أنفسهم أمام متاهات المعاملات والإجراءات القضائية ودفع مبالغ مالية كبيرة من أجل رفع أسمائهم من قوائم منع السفر.
وهنا لا بد أن نتذكر أيضًا الكفاءات العلمية والتربوية التي وقفت إلى جانب أبنائنا وطلابنا خلال سنوات الثوة ولا سيما أولئك الذين واصلوا رسالتهم في التعليم داخل المخيمات وفي المناطق المحررة أو في بلدان اللجوء والمهجر هؤلاء لم يكونوا مجرد معلمين متطوعين بل كانوا مربين ومرشدين وسندا نفسيا وتربويا لأجيال كاملة عاشت ظروفا استثنائية وقاسية لقد ساعدوا أبناءنا على التكيف مع واقع جديد ومناهج مختلفة وظروف تعليمية بالغة الصعوبة حتى تمكن كثير من الطلاب من الوصول إلى الجامعات والتخرج ورفع اسم سوريا عاليا في بلاد الاغتراب.
ومن هنا فإن الاستفادة من هذه الخبرات اليوم ليست مجرد رد جميل لأصحابها بل هي حاجة وطنية حقيقي فالقطاع التربوي بحاجة إلى هذه الكفاءات وهم يمتلكون خبرات وتجارب مهمة اكتسبوها خلال سنوات عملهم في الداخل والخارج كما يمكن أن يشكلوا جسرا حقيقيا بين التجارب التعليمية السورية وتجارب الدول التي عاشوا وعملوا فيها.
وعود على بدء إن إنصاف الموظفين المفصولين بسبب الثورة ليس إعادة إلى الوظيفة فحسب إنه رسالة بأن من وقف مع شعبه في أصعب الظروف لن يترك وحيدا بعد زوال الظلم وهو خطوة من خطوات بناء دولة يشعر فيها المواطن أن تضحيته لم تذهب سدى وأن القانون لا يعاقب صاحب الموقف الوطني بل يحميه وينصفه.
لقد خسر هؤلاء سنوات من أعمارهم ووظائفهم وأمانهم لكنهم لم يخسروا كرامتهم واليوم من حقهم أن تعود إليهم الدولة التي حلموا بها دولة تنصفهم وتحفظ حقوقهم وتقدر ما قدموه.