الذاكرة حق.. والعدالة طريق

عبدالرحمن الحاج عبد الله..

تعود إلى الواجهة صفحاتٌ مؤلمة من تاريخ سوريا الحديث، وتعودة معها شهاداتٌ ومواقف تكشف الكثير عن طبيعة العقلية التي حكمت البلاد لعقود.

في لقاءٍ جمع مذيع الجزيرة أحمد منصور بوليد جنبلاط، تحدث الأخير عن لقاءٍ قال إنه جمعه، في بدايات الثورة السورية، باللواء محمد ناصيف خيربك، الذي كان من أبرز الشخصيات الأمنية في النظام البائد، ومن المقربين جدًا من دائرة الحكم.

وبحسب رواية جنبلاط، فقد حاول في ذلك اللقاء الاستفسار عن إمكانية الوصول إلى حل سياسي يجنّب سوريا الانفجار، خصوصًا مع بداية اتساع الاحتجاجات وتصاعد التوتر في البلاد. غير أن الإجابة التي نقلها جنبلاط كانت قاسية ومعبّرة عن عقلية لا ترى فيما يحصل مجالًا للتسوية، بل صراعًا على البقاء.

فقد قال له، بحسب روايته: “لا يوجد حل، يا نحن يا هم، ولو سقط مليون قتيل”.

هذه العبارة، كما رواها جنبلاط، تختصر مأساة مرحلة كاملة؛ مرحلة تحوّل فيها الوطن إلى ساحة صراع، وأصبح الحفاظ على السلطة، بالنسبة إلى أصحاب القرار، مقدّمًا على الحفاظ على أرواح السوريين ووحدة البلاد ومستقبلها.

ولم تكن المأساة في تلك العبارة وحدها، بل في النتائج التي عاشها السوريون على مدى سنوات طويلة: مئات المدن والبلدات والقرى دُمّرت، وعشرات آلاف العائلات فقدت أبناءها، وملايين السوريين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وآلاف العائلات بقيت تبحث عن مصير أبنائها المعتقلين والمفقودين.

لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا نتيجة غياب الحلول السياسية، وتحوّلت مطالب الشعب المحقة إلى صراع مفتوح، ثم إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في المنطقة.

والأخطر من ذلك أن منطق “نحن أو هم” يعني إلغاء فكرة الوطن نفسه؛ فسوريا ليست ملكًا لعائلة أو حزب أو جهاز أمني، وليست ملكًا لفئة أو منطقة. سوريا ملكٌ لجميع أبنائها، والسلطة فيها يجب أن تكون وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع، لا وسيلة لحماية أشخاص، مهما كانت مواقعهم.

ولهذا، فإن الحديث عن الأحكام القضائية،  الصادرة اليوم بحق المجرمين من رؤوس النظام البائد، لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها مجرد حدث قضائي عابر، بل باعتبارها جزءًا من محاولة فتح ملف مرحلة ثقيلة من تاريخ سوريا؛ مرحلة تحتاج إلى كشف الحقائق، وتوثيق الجرائم والانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وإنصاف الضحايا وذويهم.

فالعدالة الحقيقية لا تعني الانتقام، وإنما تعني أن يعرف السوريون ماذا حدث، ومن اتخذ القرارات، وكيف تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع، ولماذا دُفعت البلاد إلى هذا الثمن الهائل.

بعد كل ما حدث، تبقى الحقيقة واحدة: لا يمكن بناء سوريا جديدة فوق النسيان، ولا يمكن تحقيق المصالحة من دون عدالة، ولا يمكن للضحايا أن يشعروا بالإنصاف ما لم تُكشف الحقيقة كاملة.

قد تتغير الأنظمة، وقد يسقط الأشخاص، وقد تتبدل موازين القوة، لكن ذاكرة الشعوب لا تسقط.

سوريا تستحق أن تكون دولةً يحكمها القانون، لا الخوف؛ دولةً يكون فيها المواطن أغلى من السلطة، والإنسان أهم من الكرسي، والعدالة أقوى من الانتقام.

والتاريخ سيبقى شاهدًا على كل من اتخذ قرارًا، وعلى كل من صمت، وعلى كل من دفع السوريين إلى طريق كان ثمنه مئات الآلاف من الأرواح وملايين المهجرين.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار