– بقلم : عمر محمد عمر…
في ليلة صيفية بزملكا، غابت أصوات الطائرات والإنذارات، وحلّ صمت ثقيل لم يكسرْه إلا رائحةٌ مجهولة تسللت من نوافذ مفتوحة تركها الأهالي هرباً من الحر. كانت تلك النوافذ ذاتها بوابة الموت إلى بيوت نام أهلها على غفلة، ليستيقظ الناجون على جثامين الأحبة جامدة لا تتنفس.
سقط ألف وأربع مائة نفس، نصفهم نساء وأطفال، لكن العدد لا يروي مأساة أبٍ ظلّ ممسكاً بطفليه بعد توقف قلبه، ولا عروس تحول فستانها إلى كفن قبل أسبوع من زفافها. صواريخ سارين من مناطق النظام استهدفت أحياء رفضت الرضوخ، حاملة رسالة أن سلطة عاجزة عن الإخضاع مستعدة لتجربة المحرَّم.
مرت سنوات، وتحولت الذاكرة إلى ندبة؛ فهناك من يفحص أنف ابنته كل مساء، وطفل نجا وكبر لكنه يرتعب من رائحة لا يستطيع تسميتها. الحصار والتهجير أضافا طبقات من الألم، حتى صارت “الغوطة” مرادفة لكل ما فُقد.
في الثامن من كانون الأول 2024، سقط النظام، واعتقل بعض المنفذين، وعادت سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لكن السقوط السياسي لا يساوي العدالة، وهنا تبرز ضرورة العدالة الانتقالية بآلياتها المتكاملة؛ فهي لا تقتصر على ملاحقة المنفذين، بل تتطلب محاسبة الآمرين والمخططين في قمة الهرم، وكشف الحقيقة كاملة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، لتكون ركيزة المصالحة الوطنية واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.
اليوم يعود المهجَّرون لرفع الأنقاض، والجيران يتعاونون مؤسسين لعقد اجتماعي جديد يقوم على التضامن لا الخوف. لا أحد يطلب النسيان، بل يطالبون بالحقيقة ومحاسبة كل المتورطين، لتتحول الذكرى من جرح مفتوح إلى محطة عدالة.
الجرح لم يندمل، لكن إرادة المضي أقوى من السموم. من استطاع إسقاط طاغية كيماوي قادر على بناء وطن يليق بتضحيات أبنائه، والعدالة الانتقالية – بمحاسبة الآمرين – هي الضمان الوحيد. فلنمضِ معاً،لبناء سوريا العظيمة.