د. محمد جمال طحّان..
انطلق يوم أمس حدث لا يمكن أن يمر دون أن يسكن في الوعي السوري إنه اعادة إطلاق إذاعة دمشق إلى البث من جديد .
الخبر في ظاهره تقني، إداري، روتيني.
لكن في بلدٍ اعتاد أن تُحمَّل فيه الأصوات أكثر مما تحتمل، لا يعود أي ميكروفون إلى العمل من دون أسئلة، ولا يولد أي بثٍّ جديد من فراغ.
إذاعة دمشق ليست مجرد مؤسسة إعلامية.
هي ذاكرة سمعية طويلة، مرّت عليها أزمنة مختلفة، وخاطبت أجيالًا متعددة، واختلط في صوتها الرسمي ما هو ثقافي بما هو سياسي، وما هو يومي بما هو استثنائي.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: لماذا تعود؟
بل: كيف تعود؟ وبأي روح؟
الناس اليوم لا ينتظرون إذاعة لتخبرهم أن كل شيء بخير، كما كان يحدث في السابق.
يريدون صوتًا أقرب إلى نبضهم، لغةً أقل توجيهًا وأكثر إنصاتًا، خطابًا يحترم عقولهم ولا يطلب منهم التصفيق.
يريدون إذاعة تُشبه صباحاتهم المختلفة، لا خطبهم المؤجلة.
العودة بعد ذكرى ثقيلة ليست خطأ. بل قد تكون فرصة. فرصة لمراجعة النبرة، لا لمحو الماضي.
وفرصة لفتح مسافة إنسانية بين الميكروفون والناس، حيث يمكن للكلمة أن تكون جسرًا لا جدارًا.
في الرابع من شباط، احتفت دمشق بعيدٍ مزدوج: ذكرى تأسيس إذاعتها الوطنية قبل تسعة وسبعين عامًا، وانبعاثها من جديد في حُلَّةٍ عصرية تليق بأم الإذاعات العربية. إنها ليست مجرد إعادة إطلاق، بل هي تحوُّلٌ جوهريٌّ من صوتٍ يلتقط من الأثير إلى منصةٍ إعلاميةٍ رقميةٍ شاملة، تتناغم فيها الألحان مع الصور، والكلمة مع المشهد.
إذاعة دمشق، بتاريخها الطويل، قادرة على أن تستعيد بعض دورها الثقافي الحقيقي: أن تفتح الهواء للأدب والموسيقى والنقاش الهادئ، أن تمنح مساحة للأسئلة لا للشعارات فقط، أن تُذكّر بأن الإذاعة ليست صوت الحكومة وحدها، بل صوت المجتمع أيضًا.
لسنا بحاجة إلى لغة عالية السقف، ولا إلى أناشيد أكثر، بل إلى صدقٍ بسيط، ومهنية واضحة، واعتراف غير صاخب بأن الزمن تغيّر، وأن المستمع لم يعد هو ذاته.
نأمل أن تكون هذه العودة بداية لهجة جديدة، أكثر تواضعًا، أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من الحياة اليومية للناس. فالصوت، حين يكون صادقًا، لا يحتاج أن يعلو كثيرًا ليُسمع.
وإذاعة دمشق، وهي تعود، نرجو لها أن تتكلم، لا باسم الماضي ، بل باسم أملٍ ممكن، وخطوة صغيرة نحو إعلامٍ يُطمئن دون أن يُخدّر، ويفتح النوافذ بدل أن يكتفى بتغيير الستائر.
فلتطل إذاعة دمشق الجديدة، حاملةً معها الأمل في فضاء إعلامي أكثر تنوعًا وانفتاحًا، يعكس صورة سوريا الحقيقية: صورة الشعب الصامد، والثقافة الأصيلة، والحلم المستمر بمستقبل أفضل.