المايسترو فتح الله : الموسيقا لغة إنسانية وحدت كل البشرية

الجماهير || زُهيدة هورو

“ولكل مقام مقال ولكل زمان رجال” يا لها من مقولة أعجبتني بما تحمله من معانٍ كثيرة تتجلى في العظمة والرجولة، لكن لزمان الموسيقا أيضا رجال أغنوا بإبداعاتهم الموسيقية أعمالا علّقت في سماء الفن شمساً أضاءت العالم أجمع، فجمال وعراقة موسيقانا السورية التي خلدت ووثقت عالميا ليشهد لها التاريخ بذلك كجزء مهم من ثقافتنا السورية الأصيلة، هؤلاء الرجال هم من حملوا على عاتقهم إكمال رسالة ما بدأه الأسلاف من خلال حفظهم وصونهم للتراث الموسيقي السوري العريق ونقل تلك الرسالة وبأمانة لتتوارثها الأجيال.
المايسترو عدنان فتح الله عميد المعهد العالي للموسيقا في دمشق من أحد هؤلاء الرجال بكل ماقدموه من إنجازات موسيقية وببصمة نجاحٍ وتمييز تُذكر لهم وعلى مر الزمان .

* قامة موسيقية
حوارٍ موسيقيً جمعنا به لنتعرف إلى تلك القامة الموسيقية وعالمها الموسيقي الخاص، وقد حدثنا المايسترو فتح الله قائلاً: تخرجت في المعهد العالي للموسيقا بدمشق، اختصاص آلة العود في قسم الموسيقا العربية، وقد امتلكني ومنذ البداية ذاك الشغف بأن أقدم موسيقا تحمل في طياتها الطابع الشرقي الأصيل لكن بنمط ولون جديدين مستخدما في ذلك كل الآلات الموسيقية ومسخرا كل ما نهلته من علوم موسيقية أثناء دراستي في المعهد العالي للموسيقا، لذا جميع أعمالي الموسيقية وتحديدا مؤلفاتي حملت الطابع الأوركسترالي، فهناك الكثير من المؤلفات التي استخدمت فيها أوركسترا كاملة تضمنت حواريات العود مع الأوركسترا إضافة لاهتمامي بقوالب الموسيقا الشرقية الآلية،وقد كتبت الكثير من هذا النمط من الأعمال والتي أدتها فرقة خماسي من روح الشرق بقوالب آلية جمعت مابين ” اللونغا والسماعي والتحميل وغيرها.. ” .

*الموسيقا لغة العالم
جملة تكررت وترددت على مسامعنا مراراً وتكرراً، وعن أهمية ذاك الشعور والشغف الموسيقيين، المخبأين في ثنايا الروح، حدثنا بالقول: نعم الموسيقا لغة العالم ولغة إنسانية بما تحمله من صفات استطاعت أن تجمع كل البشرية لتوحدهم برغم من الاختلافات الكثيرة فيما بينهم ، فكل من يتذوق الموسيقا بشكل عام يستطيع أن يتذوق كل مافيها من أغانٍ وألحان حتى لو كانت بغير لغته، مستمتعا بها وبحالة روحانية لا توصف. إذاً هي من تبعث شعور الراحة والسلام في نفوس الناس وتوحدهم بما تقوم به من ذاك الدمج والتناغم الروحي الجميل، والذي يحدث هذا الأثر الرائع في نفوس البشرية .
وتابع: أما بالنسبة لي فالموسيقا تعني الكثير، هي حالة عشق ملتصقة بذاتي وروحي وشخصيتي ككل، بدأت حكايتي معها وأنا في عمر الخمس سنوات، ومازالت وستبقى شغلي الشاغل، ومن المستحيل أن أتخيل حياتي من دونها وبكل تفاصيلها من عزف وتدريس وبروفات، هي الجزء الأهم والأكبر من حياتي، هي المتعة الروحية وصفاء الذات، فكلما تقدم بي العمر وكبرت، تقدمت معي هي أيضا وكبرت في ثنايا روحي شغفاً وعشقاً.

*الفرقة الوطنية للموسيقا العربية
وعن تاريخ الفرقة وتأسيسها والتعريف بها أكثر، أفادنا فتح الله بأن الفرقة أسست مع بداية تأسيس المعهد العالي للموسيقا في دمشق عام 1990 إلى أن أخذت شكلها الحالي وبصمتها الخاصة المتعارف عليها الآن منذ عام 2003 ، وفيما بعد صدر قرار من وزارة الثقافة بتسميتي قائداً للفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية، وذلك في عام 2013 وبدأت حفلاتها تُقدم وبصفة دورية، أي إن الفرقة كانت تلتقي بجمهورها المتذوق لأصالة الموسيقا الشرقية كل شهرين على خشبة مسرح دار الأوبرا في دمشق. وأما عن الهدف من كل ما تقدمه الفرقة، فهو – كما حدثنا- الحفاظ وصون التراث السوري الأصيل وتقديمه بطريقة أكاديمية مع العناية وبأدق تفاصيل كل ما يُقدم من أعمال ، بالإضافة إلى تقديم تجارب إبداعية جديدة فيما يخص التأليف الشرقي الأوركسترالي، وأيضا في مجال التلحين ومشاركة مواهب فنية كبيرة سورية من شريحة الشباب، سواء كانوا عازفين او مغنين إضافة لتعاونها مع كبار المغنين، السوريون منهم والعرب، كالراحلة ميادة بسيليس وصفوان بهلوان وهاني شاكر ، وليندا بيطار ومعين شريف وحمام خيري وصفوان العابد وغيرهم الكثير ..
كما قدمت الفرقة للجمهور أصواتاً شابة مهمة من خريجي المعهد العالي للموسيقا وعازفي صولو، منهم محمد عثمان وعمار يونس، هوشنك حبش ونزار عمراني .
وأشاد فتح الله أكثر بدور الفرقة الوطنية للموسيقا العربية بأنها قدمت الكثير من الأعمال الموسيقية المهمة التي ساهمت بإغناء مكتبة الموسيقا السورية بأعمال جديدة مميزة، سواء كانت غنائية أو أعمالاً آلية لمؤلفين سوريين منهم من جيل الشباب ممن طرحوا تجربتهم الجديدة في التأليف الموسيقي في هذه الفرقة، ومنهم من المؤلفين الكبار الذين لهم باع في مجال التأليف الموسيقي.
وكما أشار إلى دور الفرقة في كل عام بما تسعى إليه من تقديم كل ماهو جديد ومميز من برامج تساهم في تطوير أدائها وكل ما فيها وبأدق التفاصيل .

كما بين لنا الأعمال والتحضيرات التي هي من ضمن خطة عمل  الفرقة لعدة حفلات موسيقية آلية لمؤلفين سوريين ، بالإضافة لحفل سيقدم على مسرح دار الأوبرا في دمشق.

 

*خماسي موسيقا من روح الشرق

وللحديث أكثر عن الفرقة وأهميتها حدثنا فتح الله عن أن فرقة خماسي من روح الشرق مؤلفة من خمس عازفين، كما أن هناك حالة ترابط تجمع مابين الفرقة الوطنية وفرقة خماسي موسيقا من روح الشرق، وهذا الترابط يتجسد فيما يُقدم من نتاج موسيقي واحد، وهو الموسيقا الشرقية، وإن اختلفتا في بعض التفاصيل إلا أن ما يجمعهما هو بوصلة واحدة بأنهما تلتقيان لهدف الحفاظ على القوالب الموسيقية الشرقية والكلاسيكية وأيضا على التراث الموسيقي السوري بوجه خاص والعربي بشكل عام بما يتضمنه من عمل غنائي وآلي .

 

*عميدا للمعهد العالي للموسيقا بدمشق

ومن المهام التي كلف بها أيضا هي عمادة المعهد العالي للموسيقا، وعن المشاريع وما يحمله من مسؤولية لدعم آلية التعليم الموسيقي في المعهد يقول: كل مايخص التعليم الموسيقي في المعهد العالي وفي كل عام يكون هناك من خطط ومشاريع توضع لمصلحة الطلبة بإشراف واهتمام مباشر مني ومن رؤساء الأقسام ومجلس المعهد ككل لدعم التعليم والحفاظ على السوية الأكاديمية العليا التي تتمتع بها خاصية المعهد العالي للموسيقا، فبعد مغادرة الخبراء الروس والذين كانوا هم المعتمد عليهم  بشكل أساسي في التدريس بالمعهد منذ عام 1993 لغاية 2013 ، تم الاعتماد على الكوادر الوطنية من خريجي المعهد الذين يقدمون كل جهد في الحفاظ على المستوى الأكاديمي للمعهد الذي خرًج ومازال الكثير من الموسيقيين المحترفين، إذ يتم الاعتماد عليهم اليوم لرفد ودعم الحركة الموسيقية السورية وذلك ضمن مشاركتهم في الفرق الوطنية كالفرقة السيمفونية والفرقة الوطنية السورية للموسيقا .

 

*موسيقي ناجح

عن صفات الموسيقي الناجح برأيه، يذكر لنا بأن الموسيقي الناجح هو من تمتع بالأخلاق العالية والانتماء لأرضه ووطنه والمكان الذي تعلم وتخرج فيه، إذ يجب ان تكون الموسيقا من أولويات حياته واهتماماته، وأن يسعى لنشرها بطريقة حضارية وراقية من خلال عمله الموسيقي، وأن يكون معطاءً، فالموسيقي الناجح هو من يحمل رسالة هدفها وفحواها تطوير الموسيقا ورفع ثقافة وذائقة الجمهور من خلال تقديم أعمال ملتزمة تحترم مشاعر الناس وأفكارهم وأيضا عادات وتقاليد مجتمعاتنا الشرقية.

 

*نصائح المايسترو

وعن أهم نصائح المايسترو عدنان فتح الله لطلبة المعهد العالي للموسيقا ، أفاد بأن الموسيقا علم لا حدود له ولا ينضب وبحاجة إلى الاستمرارية بشكل دائم، ونصيحتي لطلبة المعهد أن يطوروا من أنفسهم  وأدواتهم من خلال التمارين والعمل، والأهم من ذلك أن يتحلوا بأخلاق المهنة والصفات الإنسانية، وأما بالنسبة للمشاريع التي يقدمونها فيجب أن تكون مستمدة من مجتمعنا الذي ننتمي إليه، تحاكي هموم وأفراح الناس، وتتميز بالصدق بكل مافيها، وأن يُبذل لنجاحها الوقت والجهد لتقديم ماهو مرجو منها للجمهور الذي يستحق كل المحبة والاحترام والتقدير .

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار