الحرية ليست ترنداً للتنمر

بقلم . جهاد جمّال…

لم تعد القضايا السورية اليوم حبيسة المكاتب المغلقة أو البيانات الرسمية أو المساحات الإعلامية المحدودة كما كانت في عهد النظام البائد بل أصبحت حاضرة في فضاء مفتوح يصنعه الناس بأنفسهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى التي أتاحت للسوري أن يقول رأيه وأن يناقش وأن يعترض وأن يحول قضية يراها مهمة إلى حديث عام وهذه المساحة الجديدة من التعبير هي واحدة من ثمار التحرير لأنها تعيد للمواطن حقاً أساسياً سُلب منه طويلاً وهو أن يكون شريكاً في صناعة النقاش العام لا مجرد متلقٍ لما يقال له .

لكن الحرية التي فتحت أبوابها أمام السوريين ليست قيمة بمجرد اتساع مساحتها وإنما بما نضعه فيها وما نستخدمها من أجله وما جرى مع الشاب الذي ظهر بلباسه البسيط أمام السيف الدمشقي في دمشق ثم تعرض لحملة تنمر بسبب مظهره ومنطقته في الحسكة قبل أن تتحول القصة إلى ترند يكشف أن مجتمعنا أمام اختبار حقيقي لكيفية استخدام هذه الحرية فبدلاً من أن تكون منصات التواصل مساحة للتقارب بين أبناء سورية وتحويل الاختلاف إلى حوار وتحويل القضايا اليومية إلى فرصة لمعالجة المشكلات يمكن أن تنزلق أحياناً إلى السخرية من إنسان بسبب لباسه أو لهجته أو مدينته أو ظروفه وهو أمر لا يسيء إلى الشخص وحده بل يسيء إلى المجتمع الذي يسمح بتحويل كرامة أحد أبنائه إلى مادة للضحك والتداول إن سورية التي خرجت من سنوات طويلة من القمع والخوف لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغة جديدة ولا إلى استبدال الخوف من التعبير بالخوف من التنمر بل تحتاج إلى ثقافة عامة تجعل من حرية الرأي وسيلة للبناء لا للهدم ومن الترند أداة لتسليط الضوء على قضية تستحق المعالجة لا على إنسان يستحق الاحترام ومن هنا فإن صناع المحتوى والجمهور معاً أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية فليس كل ما يثير التفاعل يستحق أن يصبح ترنداً وليس كل مادة قابلة للنشر تستحق النشر والحرية الحقيقية لا تعني أن نقول كل ما نستطيع قوله وإنما أن نعرف كيف نستخدم ما أصبح متاحاً لنا لخدمة وطننا ومجتمعنا فالمنصات السورية اليوم تستطيع أن تجمع أبناء الحسكة ودمشق وحلب وإدلب وكل مناطق سورية حول قضية وطنية واحدة وتستطيع أن تدعم مبادرة أو تكشف خللاً أو تنقل معاناة مواطن أو تفتح نقاشاً حول مستقبل البلاد وهذا هو الاختبار الحقيقي للحرية التي استعادها السوريون أن تتحول مساحة التعبير إلى مساحة للتعارف والتكافل وبناء سورية الجديدة لا إلى ساحة يتنافس فيها البعض على عدد المشاهدات ولو كان الثمن كرامة إنسان.

🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار